عبد القاهر الجرجاني

168

دلائل الإعجاز في علم المعاني

فقلت : واللّه ما أنشد إلّا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ . فقال : أين الشعر الّذي فيه عروق الذهب ؟ فقلت : مثل ما ذا ؟ فقال : مثل قول أبي ذؤاب : [ من الكامل ] إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأشدّهم كلبا على أعدائه * وأعزّهم فقدا على الأصحاب " 1 " - وفي مثل هذا قال الشّاعر : [ من الطويل ] زوامل للأشعار لا علم عندهم * بجيّدها إلّا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا * بأوساقه أو راح ما في الغرائر " 2 " وقال الآخر " 3 " : [ من الخفيف ] يا أبا جعفر تحكّم في الشّع * ر وما فيك آلة الحكّام إنّ نقد الدّينار إلّا على الصّي * رف صعب ، فكيف نقد الكلام قد رأيناك لست تفرق في الأش * عار بين الأرواح والأجسام واعلم أنّهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا ، فهو أشرف مما ليس كذلك ، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص ، أن لا يعتبر في قضيّته تلك إلا الأوصاف التي تخصّ ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته ، وأن لا ينظر فيها إلى جنس آخر ، وإن كان من الأول بسبيل ، أو متّصلا به اتصال ما لا ينفكّ منه . ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصّياغة ، وأنّ سبيل المعنى الذي يعبّر عنه سبيل الشيء الذي يقع التّصوير والصوغ فيه ، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار . فكما أن محالا إذا أنت أردت النّظر في صوغ الخاتم ، وفي جودة العمل ورداءته ، أن تنظر إلى الفضّة الحاملة لتلك الصورة ، أو الذهب الذي وقع فيه

--> ( 1 ) البيتان لربيعة بن سعد ، وقيل : لداود بن ربيعة الأسدي ، انظر الإشارات ( 288 ) ، والبيت الأول في الإيضاح ( 332 ) . ( 2 ) الشعر لمروان بن أبي حفصة . الزوامل : جمع زاملة وهو البعير يحمل عليه الرجل زاده ومتاعه . والأوساق جمع وسق : الحمل ، الغرائر : جمع غرارة ، وهي الجوالق ، الكامل للمبرد ( 2 / 90 ) ، واللسان ( زمل ) . ( 3 ) اختلف المؤرخون في اسمه ففي مقدمة ديوان أبي نواس اسمه أحمد بن يحيى بن علي ، في ( المصون : 12 ) هو يحيى بن علي أبو أحمد . . . والأبيات موجودة في المصون ( 12 - 13 ) وفي وفيات الأعيان ( 2 / 20 ) .